الدب الأبيض يتحدث

أحكيكم قصتي؟

في زمن ما ..
في قرية ما ..
تسكن مجموعة فريدة من البشر. القرية صغيرة، محاطة بغابة تفصلها عن بضع قرى أخرى ..
يمر بها الغرباء أحيانا ..
وفي القرية يوجد مقهى .. أو مطعم .. هم في الواقع لا يسمونه مقهى ولا مطعم .. أنا أقول ذلك لتقترب لك الصورة يا صاحبي.
لأن هذه القصة ليست موجهة لك ولربما لن تفهمها أبدًا، لكني سأساعدك.
سكان القرية يدعونه : الحمراء.
لأن ذلك المكان لا يقدم إلا أشياء مصنوعة من البطيخ،
عصير البطيخ، بطيخ مثلج، بطيخ بالقشر .. بطيخ بدون قشر ..
طبعا ترتفع قيمة الصنف إن طلبته خاليا من البذور!
وأنا شخصيا لا أطلب شيئا ..
صاحبة الحمراء تفقدني الشهية لأكل أي شيء حالما أراها ..
بوجهها الأحمر الصغير الذي يشبه بطيخة في ذروة نضجها ..
هي ليست بارعة الجمال .. لكن تحركاتها فاتنة .. صوتها ساحر!
وهي تعلم ذلك جيدًا على أية حال..
هي الترفيه الوحيد في القرية .. لا يمضي على مغيب الشمس ساعة إلا وتجد من استطاع الخروج من بيته قد اتخذ سبيله للحمراء ..

الحمراء تغني في الحمراء.

لا أدري إن كان سبب تسمية المكان بالحمراء عائد لصاحبته أم عائد البطيخ ..
حين يقول أحدهم “حمراء” فيجوز أن يقصد فاتنتي ويجوز أنه يقصد المكان نفسه ..
الحمراء أقرب لاسم وجودها .. ووجودها ومكانها واحد.
أما اسمها الحقيقي .. أظنني سمعت العجوز يناديها به فتنهره .. لكني نسيته. وهذا عار.
إن ما تفعله الحمراء في الواقع هو الغناء.
كل ليلة تغني.
وهي لن تغني نفس الأغنية مرتين أبدا.
كل أغنية تحمل قصة، أحيانا تكون مبكية وأحيانا مضحكة ونادرًا تكون عن شيء آخر.
في الحقيقة ..
كل سكان القرية أغبياء!
نعم أغبياء ! هل تعرف ما هو الغباء يا صاحبي؟
غباء شبيه بذلك الذي يلقنونك إياه في صفوف الدراسة تحت اسم التاريخ.
إن الحمراء تمارس الشيء نفسه!
اللعينة ..
أنا وحدي أعرف!
كل تلك الأغاني هي عنها في الحقيقة .. أكاد أقسم أني لو جمعت أغانيها لاستطعت كتابة سيرتها الذاتية ..
لكن وجهها نادرًا ما يبدي ذلك .. خصوصا تلك الاغاني الحزينة ..

كيف تغنين؟
ألا ترين العجوز بجواري يبكي على شخصية في أغنيتك يظنها خيالية؟
وتلك المراهقة الهزيلة خلف الأشجار .. كيف ترقص خفية وهي تتخيل نفسها بطلة أغانيك؟
انظري لوجهي أنا!
أبكي معهم! لكني لست مثلهم!
هم يبكون متأثرين بالكلمات..
أنا أبكي .. لأن كيان الحمراء يمنعك من البكاء على نفسك .. أبكي عنك!
لكني أعرف جيدًا كيف أنقذك من كل هؤلاء الأغبياء ..
أنا متأكد أنك تبكين في مكان ما سرا ..
وحين أمسك بك أيتها الشيطانة الصغيرة
لا أدري .. ربما أحتضنك وربما أقطعك أشلاء.
سأنتظر اللحظة.
تغنين اللآن .. يمكنني سماعك من نافذة غرفتي ..
كما فعلت البارحة وقبل البارحة وكما ستفعلين غدًا ..
وحالما تفرغين .. تدعين الذهاب لإحضار بطيخة الليلة وأكاد أقسم أنك تذهبين لتبكين هناك!
أما الآن سأتوقف عن الكتابة قبل أن تتوقفي عن الغناء لألحق بالحمراء .
الليلة سأفضحك.

التعليقات سرية

اكتشاف المزيد من ليالي السمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة