لماذا أكتب وكيف تقرأني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله من قبل ومن بعد،

علاقتي مع الكتابة والتدوين هي علاقتي بالأصوات في داخلي، هذا ما وعيته برحمة من ربي، ورأيته في ذاتي وتصرفاتي، كلما شغلت بفهم نفسي أكثر كلما اتضحت لي سبل الحياة والعبادة أكثر، وحين أصلح الله بيني وبيني وأراني كيف لطف بي منذ كلمتي الأولى ومن قبل ذلك صليت لله شكرًا، وكنت قبل ذلك في ضلال شديد.

عمر هذه المدونة (حين كتبت هذه المقدمة) 18 سنة، وكان عمري حين بدأت التدوين هنا 15 سنة، ولي كتابات قبل ذلك في دفاتر قديمة ورسائل عديدة، كتابة الرسائل للأصدقاء في زمن طفولتي أمر اعتيادي – وهذه نعمة أخرى – ، لكن ابن آدم يكبر وتتغير ظروفه وتختل علاقاته وتطغى أصوات عديدة على أصواته في رأسه، فلا يرى نعم الله حوله.

أغلقت مدونتي مرة لأني كرهت وجودها، كرهت تاريخي في بعض الكلمات، وكرهت صورتي فيها.
ولجئت للتدوين والحفظ في المحمول، وغرقت في العمل – غرقًا شديدًا كئيبًا – والنظريات الإدارية.
ثم أردت التصالح مع نصوصي ومعي في النصوص من جديد، وعدت إليها غير أني كرهت نصف ما وجدتني كتبت فيها، فأخفيت ما كرهت نفسي ظهوره حينها، وقسمت المتبقي منها تحت ثلاثة أبواب، على سبيل التدوين، وعلى سبيل الترجمة، وعلى سبيل الإدارة، وكنت أتحاشى النظر لباب التدوين.
حتى أغلق ووردبريس مدونتي لسبب ما واضطررت لنقل الملكية من بريد لبريد آخر واختل التقسيم وتحطمت الصفحة الرئيسية. قلت في نفسي أحسن؛ ففي تلك الفترة كنت أضغط على حروفي وكلماتي حين أتخيلها منشورة في المدونة، ومن الخير أن أكتب لنفسي فقط، أتجلى أكثر، وأكون أشجع ما أكون.

والآن، إذ قضيت وقتا طويلا أتأمل في ذاتي وأحارب إبليس وقريني .. وأنعم الله علي بأن أفهم من كان يكتب ولماذا .. أعدت ترتيب المدونة من جديد، وهذه المرة ترتيبا على مستوى مواضيع نصوصي المبعثرة رأسًا.

اسمي
سين

اسمي سارة، والسين في اسمي هو اللغز في نفسي وانعكاس صورتي.
أحيانًا أكتب بوضوح، إذ لا أسمع في رأسي إلا صوت السين بوضوح.
فنكتب عن الليال السامرة إذا كانت آلة السين الكاتبة تعمل.
ونكتب عن الليال غير السامرة إن كانت آلة السين الكاتبة صدئة.
ونحاول توثيق لحظات الميلاد سنويًا .. نقطف زنبقة سوداء من حقل العمر ونضعها في الكوب.
ونكتب الكثير من النصوص توثيقًا للحظات عابرة لن تعود، ولغرض الكتابة المحضة حينًا ولغرض سماع صوت المفاتيح وهي تطقطق أحيان أخرى.
وكل ما تكتب سارة مع السين ستجده في “اسمي سين”.

اسمي
كلمن

يأتيني السين أحيانًا ولديه قصص سرية، أحيانا عن سارة وأحيانا من أفكارها حول حيوات الآخرين حولها، ويطلب مني حياكتها ليحكيها الدب الأبيض لسكان القرية؛ ستجد تلك القصص في حكايا الدب الأبيض.
يأتيني السين أحيانًا وفي ذهنه أغنية وكلمة أو كلمتين، ويطلب مني أن نلعب لعبة الكلمات، ونرتبها حسب الأصوات والمعاني في قصة مغناة، لا يلحنها إلا الحمراء، ستجد تلك الأغاني في لعبة الكلمات.
وحين كبرت – سارة – وتعقدت الحياة في قريتها السرية، فقد السين زمام السيطرة بعض الليالي، تهرج العلية وتمرج، ولا نجد ناصحًا ولا مرشدًا، حينها أسجل ما أسمعه من أصوات في العلية؛ وتكون نصوص ضجيج العلية.
وإن اشتد الظلام وعم الصمت في العلية يجن السين وتجن ساكنة العلية معه، فيأتي السين بها ويجلدها أمام سكان القرية جميعًا، وهو يظن أنه هكذا يؤدبهم؛ فتكون نصوص خفوت العلية.
وما أكتبه ليس من صوتٍ واحدٍ على كل الأحوال ..
ستجد في بعضٍ صوتين متناقضين وسيبدو لك النص غريبًا وهجينًا، ولكني كتبته كما سمعته.
وكان بعض سكان العلية إن اشتد اكتئابهم كفروا بنعم الله عليهم – عفا الله عنا وغفر لنا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين -.
كان أحدهم يفكر بالموت أكثر مما يفكر بالحياة،
وكان أحدهم يلجأ للبشر عوضًا عن اللجوء لربه،
وكان أحدهم لا ينكر الإثم لا على نفسه ولا على من حوله خوفًا من غضب الآخرين،
وكان السين يدرك حرمة قتل النفس ولكنه لا يدري ماذا يفعل بأمنيات الموت اليومية التي يلقيها القرين في داخلنا متنكرًا بصوت أحد سكان العلية في كل مرة، لذلك استمرأ قتلهم في كلماتي في كل مرة .. في كل مرة يخنقه قرينه.
وأنا – كلمن – متهور عجول كثير الكلام، وأحتاج لتوجيه من سارة ولكنها لم تكتشف وجودي إلا قبل يوم أو بعض يوم.

هل ساعدتك هذه المقدمة؟ ربما لا .. القصة تستمر هنا:

يناير – 2026