الثمرة

بسم الله الرحمن الرحيم

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ).

الثمرات ذكرها الله منفردة لأنها في هذا السياق ليست من المال – في ظني – ، بل هي عاقبة الجهد، ونهاية العمل.
الثمرة لا تأتي إلا في موسم الحصاد بعد وقت الزراعة. ومثل ذلك العمل.
نحن نعمل ساعات طويلة وننتظر المال في نهاية الشهر، مبيعات أو راتب، ..
وربما ننتظر الثمرة، ننتظر غير المال، مثل الشكر التقدير، أو المديح والثناء أو الشهرة، التأثير أو التغيير، وغير ذلك من الثمرات المعنوية.
(تحقيق الذات، تحقيق أهدافنا الداخلية بحسب ما نظن أنه ينقصنا وغيرها، الوقوف على قمة هرم ماسلو!)
تقول العرب من جد وجد ومن زرع حصد، وهذه العبارة صحيحة إن كان الجد والزراعة للآخرة،
وليست صحيحة على الدوام في الحياة الدنيا.
وقد يبتلى الإنسان بأن لا يرى ثمرة في عمله ووقته، رغم ما يضعه من جهد وجد، وقد تكون شجرة عمله نضرة وخضرة يتمناها الآخرون ولكنها لا تثمر ما يريد من ثمرات معنوية مهما اجتهد، محترقة وظيفيًا!
فيقع في دوامة من ما يسميه بعض علماء النفس الغربي الاكتئاب، أو يصاب بما يسميه الناس حديثًا “الاحتراق الوظيفي”.
لكن إن عدت للأسماء التي ذكرها الله عز وجل في كتابه فلن تجد هذه الأسماء، لن تجد كلمة الاكتئاب مذكورة في القرآن،
وقطعًا لن تجد الاحتراق الوظيفي .. ولكنك ستجد كلمات عن الحزن وفي الحزن.
ستجد أنه تبارك وتعالى سمى مصدرها الأول، وسوسة الشيطان التي تودي بالمرء للقنوط من شدة ما يجد في رأسه من هم وغم وحزن.
فقد يمسي ويصبح وأفكار قرينه تملأ رأسه وتزداد شيئًا فشيئًا، قد يقول له – بحسب حاله – :

  • لا أحد يهتم بك ولا بما تعمل، أنت نكرة.
  • سرقوا جهدك ونسبوه لهم لأنك ضعيف
  • لا تعط أحدًا أي شيء .. لا تعلمهم ما لديك وإلا سيسرقونه.
  • انظر! جاءت فلان ترقية وأنت لا، لأنك لا تملك ما يملك ..
  • لا أحد يفهم ما تقول!

ولكن هذه هي النجوى:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
“إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ (١٠)”

فإذا لم يشعر الإنسان بقرينه ربما يتجاوب مع الكلام ويبني عليه .. والله أعلم إلى أين ستذهب به أفكاره، والله أعلم إن كان سيحولها لأفعال أو أقوال أم لا.
وإذا شعر به وصبر، وأحسن الرد في عقله وتمسك بالله وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن هذا ابتلاء وأن الله يبشر الصابرين، فلن يحزن بإذن الله .. لأن ما عند الله خير وأبقى.
وقد يرد الإنسان على نفسه ردًا يغلق الكلام أو يُشتت فكره عنه ولكنه لا يتذكر وجود الله .. كأن يقول الدنيا حظوظ .. أو سأتملق لفلان، أو سأجتهد أكثر وسأظهر اجتهادي ..
ولكن الحزن سيبقى .. وسيجد القرين قضية أخرى يفتحها له حين يعود للمنزل، سيجد نفسه غاضبًا ومكتوما بلا سبب.
سيجلب له قرينه ملفات من الماضي أو المستقبل أو الحاضر،
قد يتحين أسخف الأسباب لينفجر .. زحمة الشارع، تأخر المندوب، ملوحة الطعام، صوت .. أي سبب. قد يستمر .. قد يذهب لطبيب نفسي، قد يأخذ أدوية أو يمارس الرياضة، أو يأخذ شيئًا آخر من غير طبيب يظنه يغير نفسيته ويروح عنه، قد ينسى المرء أن له ربًا، الله أعلم به كيف سيتصرف وكله مكتوب ومقدر، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وهو هنا قد يشرك بالله بلا شعور، قد ينسب الأمر لنفسه وأسبابه في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، قد ينسب الرزق للخلق، قد ينسب المشاكل لنفسه أو للآخرين، قد ينسى أن هذه الدنيا كلها دار ابتلاء مهما كان شكل ومستوى حياته وأن الشيطان عدوه على جميع المستويات، قد ينسى أن لكل منا قرين، قد ينسى أن الثمرة النهائية والأسمى هي ألا ندخل النار وندخل الجنة إن كنا مسلمين!
قد ينسى أننا لم نخلق سوى لعبادة الله وحده لا شريك له، قد ينسى أن الإيمان عبادة.

أعتقد أن تذكر الله في هذه المواقف من الصبر، والصبر عبادة حين نعقد النية لله ونخلصها إليه، وسلام يريحنا من هموم الدنيا. فمن الإيمان أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر .. وبالقدر خيره وشره. ونصبر، لأن الله يبشر الصابرين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
” فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٥٥) ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ (١٥٦) أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ (١٥٧)”

الاكتئاب يا عزيزتي، (يا ذات الصوت الجميل، ويا ساكنة السرداب، هذا النص لكما الاثنتين) .. الاكتئاب يجعلنا لا نقدر نعم الله الكثيرة من حولنا التي قد يتمناها آخرون من النعم الظاهرة، ويعمي أبصارنا عن رؤية نعمه الباطنة. وهو أحد مداخل الشيطان على نفوسنا.

هناك دعاء هداني ربي أن عرفته من قريب والحمدلله لله أولاً وأخيرًا، وجدته في كتاب حصن المسلم، ويقال بين السجدتين فحافظي عليه ما استطعتِ:
“اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وعافني، وارزقني، وارفعني”

استشعري أنك تطلبين من خالق الأسباب، من الواحد القهار، أن يغفر لك أن وقعت في الحزن، أن يرحمك ويمنحك القدرة أن تنتبهي لوسوسة الشيطان ابتداءً، أن يهديك لأحسن الأعمال والأقوال، أن يجبر ما تجدين من نقصٍ ويكملك بالإيمان فتدركين أن الإيمان هو العافية وهو نقيض الاكتئاب، أن يعافي بدنك وروحك فهو سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأن يرزقك رزق الآخرة والدنيا بما يحب وكيفما يشاء، والإيمان رزق والثبات عليه رزق فلا تنسي ذلك، وأخيرًا، أن يرفعك، أن يرفع مقامك في الجنة فتكونين في الفردوس، رسولنا صلى الله عليه وسلم وصى أن نطلب جنة الفردوس، فهي كما أذكر من الحديث والعلم عند الله أنها أحسن مكان في الجنة، وهذه الرفعة التي يجب أن تطمحي لها.

اللهم اهدنا سبلنا وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من عبادك المؤمنين الصابرين المهتدين.

التعليقات سرية

اكتشاف المزيد من ليالي السمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading