لا يوجد شيء غير قابل للتفسير بالعلم، لأن العلم ما هو إلا العملية البطيئة البغيضة المتكررة للبحث عن القوانين التي تسّير ما لا نفهمه
إيشيغامي سينكو
طبيعة العلوم أنها متراكمة وتتطور بتطور البشرية. وتستحدث البشرية مجالات معرفة تفرضها حقيقة تطور البشر في جميع السياقات، وتندثر مجالات معرفة كذلك باستبدالها، تطورها أو انفصالها كمجال دقيق من علم شبيه أو بظهور تقنية من مجال آخر تبين الخطأ في اعتبارها علمًا بالأساس. والإدارة من العلوم الحديثة حيث لم تظهر الحاجة لاعتباره علما إلا حين ولدت حاجة البشر الاقتصادية له. وفي تعريف البشر للإدارة تجد مفاهيم مختلفة بحسب ترتيبها الزمني والعديد من المقالات بكافة اللغات موجودة في الإنترنت لذلك أنصحك بالتوقف عن القراءة الآن والبحث في Google عن تطور النظريات الإدارية. مختصر الرحلة الفكرية تتنوع النظريات الإدارية بحسب المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه، تظهر نظرية ثم تأتي أخرى تصلح مواطن العيب في سابقتها وهكذا. حتى وصلنا لخلاصة أن المنشأة عبارة عن نظام يتكون من وحدات تتأثر ببيئتها الخارجية ككل وتتأثر كل منها ببيئتها الداخلية أيضا. وهي مكونة من وحدات أصغر ينطوي عليها الأمر ذاته.
قبل أن تتساءل عن أفضل الممارسات في إنجاز المشاريع أو قياس الأداء أو الجودة، تخيل أنك تشتري ملابس لطفلك الصغير. (هذا تأثير أحد علماء الأحياء في النظريات الإدارية). الطفل هو المنشأة .. أعضاء جسده هي الأقسام والإدارة العليا في الرأس، والملابس هي الأدوات والممارسات. وهدف المنشأة حماية الطفل ودعم نموه. بالضبط!
طفل صغير، المشاريع الناشئة والمنشآت في بداياتها. كلما كان أصغر كانت خيارات الملابس أسهل. لكنه سيكبر، وسيكبر حتى يصل لمرحلة ستضيق ملابسه ولن تتحمل، وستضطر لشراء ملابس جديدة.. نظام موارد بشرية من نوع ما.. وهو لا يأتي إلا بمقاس واحد، فضفاض للغاية.. ثم سيكبر وسيحتاج أحذية، أقدامه الآن تريد أن تتحرك بحرية وتحتاج أحذية. لذلك سنضطر لإيجاد إدارة جديدة تختص بحماية الأقدام أثناء سيرها.
ولكن .. ( يتطور السؤال)، قبل أن تتساءل عن أفضل نوع أحذية تشتريه .. تأكد من الحاجة للحذاء، تعرف على مقاس القدم، ثم حاول أن تتفهم حاجة طفلك من الحذاء، هل سيمشي فعلا؟ أم أن الحذاء زينة لأنه مازال صغيرًا على المشي؟ هل تعرف اليدين طريقة ارتداء الحذاء؟ لأننا اشترينا جوربين ولكن لم تعرف اليدين طريقة استخدامها ولم تكن اليدين تشعر بالبرد الذي تشعر به القدمين لذلك اتهمت الجوربين بأنها غير كفوءة أصلا وغير مناسبة للمشي. وهكذا اجتمعت الأعضاء مرة أخرى وقررت إحضار أداة جديدة .. الأحذية!
لذلك، (انظر لنتائج القرارات البديلة)، تساءل عن جدوى كون طفلك سيمشي بهذا الحذاء للعالم الخارجي ابحث عن النتائج البديلة للقرار وستجد أن خطوة الخروج للعالم الآن مكلفة ماديا ولن تنجح إلا في التصوير، وأنه كان من الأفضل أن تركز على تدفئة قدميك بيديك لفترة حتى تتقن اليدين التحرك وتصبح جاهزة للتعرف على الجورب والتأكد من مطابقة مقاسه لمقاس قدميك ثم سترتديه. وإذا كانت القدمين مستعجلة على الدفء فيمكنها أن تقفز بعملية Esclation وترتدي الجورب بدون التحقق من قياسه. هذه المخاطرة تعتمد على فرضية أن الجوارب ستوفر الدفء المطلوب أيا كان قياسها. وسنأجل عملية تغييرها حتى نحتاج الأحذية.
صحيح، الكلام سهل والتنظير سهل والكتابة أسهل. الواقع مختلف. لأن البشر يخلقهم الرب والمنشآت يخلقها البشر، لذلك تكبر هياكلنا العظمية بالتناسب مع نمو الأعضاء. بينما لا يحدث هذا في المنشآت. لماذا؟ المنشأة عبارة وحدة مكونة من وحدات أصغر وتتفاعل مع بعضها وتتفاعل مع العالم الخارجي ومع بيئتها الداخلية كذلك، وفي الغالب نراها على هيئة أعضاء متفرقة ومتصلة بنظام معين يتضمن شكلا هرميا. لكن من الذي قرر أن الأعضاء يجب أن تكون بهذا الشكل الهرمي؟ وليس بأي شكل آخر؟ من الذي نجحت معه هذه الخطة حتى أن الجميع استمر بتقليده إلى اليوم؟
في الواقع عدة أشخاص تشاركوا في هذا الاستنتاج في نهايات القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر، كانت لدى المفكر منشأة ذات أعضاء من نوع ما، في زمن كانت الصناعة فيه تتعامل مع البشر كمكائن آلية لا فرق بينهم إلا لو امتلك أحدهم أربعة أيدٍ. لم تكن أجزاء جسد متكامل. لم يكن هذا المبدأ مستهجنا في ذلك العصر على أية حال كان متغلغلا في البشر بسبب الشكل الذي كانت عليه البشرية اقتصاديًا. كانت المنشأة عبارة عن رأس ومجموعة أيد وأصابع وأقدام. أشبه بالسلطعون، والاقتصاد العالمي كالبحر. لكن عظام هيكل البشرية استمر بالنمو .. ولم تعد هذه النظرية الإدارية تناسب متطلبات الهيكل فظهرت نظريات أخرى وهكذا.
بالمختصر:
في الإدارة نقدم العقل على النقل
ينبغي أن نتعامل مع نظريات الإدارة وقواعد المدير الناجح – أو خصائصه – وإدارة الجودة وأفضل الممارسات لتقطيع البطيخ بعين ناقدة، حيث أنها نجحت مع شخص ما في بيئة ما لن تكرر مرة أخرى في الحياة لأن الزمن أحد العناصر المهمة. وهذا الشخص وضع قواعد عامة تفسر ما فعل ولم يقل أنه كتاب مقدس وسينجح مع الجميع.
النموذج ليس التطبيق الوحيد للمبدأ الذي تقترحه النظرية نفسها
لكل منشأة احتياج خاص ومختلف في الهيكلية بحسب عمليتها الإنتاجية الرئيسة. لذلك تظل النظريات والأدوات الإدارية فضفاضة ومعرضة للصدأ في بعض الأحيان .. ولكنها ليست فاشلة إذا جردتها من آليتها وأسقطت أهدافها بآلية تتناسب مع مقاس واتجاهات منشأتك.
التغير هو الثابت الوحيد
تقبل فكرة أنك ستغير الهيكل التنظيمي كلما كبرت المنشأة، وإذا لم تعود منشأتك على التغيير المدروس منذ الطفولة فلن تتقبله حين تكتسب القدرة على الكلام. كيف يكون التغيير مدروسًا؟ من خلال وضع هرم لزمن معين يعد نفسه تدريجيًا للتحول لاحتياج قادم.

التعليقات سرية