أسئلة

سأجمع كل المشاعر الغريبة التي لا أدرك كنهها وتلك التي أظن أني أدركها أيضا، ثم أنقعها بمحلول غسيل .. ثم أنظر إليها مجددًا وأحاول التعرف عليها.
اتخاذ الخيارات فيما يتعلق بمشاعرنا متعب.
المقهى الذي بجوار منزلي هادئ دومًا، ومقاعده حمراء وجدرانه زرقاء وصار مقهاي المفضل ودخل حياتي كليًا.
يبعد مسافة 5 دقائق سيرًا على الأقدام، في أيام السبت تبدأ ساعات عملهم في الرابعة عصرًا،
ولأني انتقلت لهذا السكن في بداية الشتاء الماضي اعتدت الذهاب سيرًا على الأقدام بالطبع، أثناء رحلات اصطياد البوكيمون.
في طريقي للحديقة .. في طريقي للعمل أحيانا،
حين أغضب أيضا .. قضيت فيه وقتا لتهدئة نفسي.
الآن حين أنظر للأمر أجدني ذهبت إليه تقريبا في أغلب حالاتي المزاجية.
بكيت فيه مرات، حللت مواقفي وأعدت ترتيب أفكاري هناك أكثر من مرة.
استعدت روتين الكتابة هناك أيضا.
حين دخلته للمرة الأولى لم أقرر في عقلي أنه سيكون مكاني المفضل.
لكن وجدتني أجلب إليه الأشخاص من حولي ضمن فقرات زيارتهم لمنزلي.
أجريت هناك محادثات بالغة الجدية ومحادثات بالغة السخف.
جربت الجلوس في كل المقاعد التي يحتويها. صدقًا لا يمكنني أن أحصي كم مرة زرت هذا المكان.
جاء الصيف ومازلت أمشي إليه .. عرفت الأوقات المناسبة للمشي إليه نهارا بحيث أجاري الظل كيلا تصهر الشمس رأسي ..
نظرت في زواياه.
لدي قناعة أنك لن تعرف مكانا حقا مالم تنظر في زوايا جدرانه كلها .. الزوايا تحمل روح المكان .. والسقف أيضا يحمل شخصيته.
رغم ذلك، اليوم ولأول مرة انتبهت لانعكاس ضوء الشمس المتكسر على الجدار الأزرق. ألوان قزحية لطيفة ذكرتني بكتاب العلوم للصف الخامس.
أتمنى لو كان البشر مثل الأماكن .. أتعرف عليهم بمجرد التحديق في زواياهم.
أو لو كانت مشاعري في مكان محكم الإغلاق .. كعلبة مزخرفة أو فتحة في جدار .. غرفة فارغة.
حيث يمكنني التمعن فيها بلا مؤثرات خارجية .. والنظر في زواياها وانعكاساتها .. هل أستطيع؟

لا أستطيع ..
قضيت بين السؤال والجواب ساعة أتأمل في النافذة ثم أعود وأتأمل في النص .. ولا أعتقد أني وجدت فرصة مثالية لأرى نفسي كما أريد.
والسبب ببساطة أني لا أثق بذكرياتي .. أعلم لأي درجة يتلاعب عقلي بذكرياتي .. كيف أثق بها؟

لا أثق بذكرياتي عن الأشخاص .. لا أثق بانطباعاتي عنهم ولا ذكرياتهم وانطباعاتهم عني .. ولا حتى بذكرياتي عن نفسي وانطباعي عني.
لا أعرف الفرق بين ما أريد فعله وما أريد أفعله لأني أريد أن أصدق .. أني أريد فعله ولهذا فعلته. نسيت حتى إن كنت امتلكت هذه القدرة فيما مضى .. وحتى لو تذكرتها فإني لا أثق بذكرياتي .. والدائرة تدور .. وأنا أدور معها حتى يصيبني الغثيان ثم أنام.

هل كوني أريد التصديق بشيء يعني أني أريده على أية حال؟ لا أعرف.. لم أعد أجيد سوى طرح الأسئلة.

في رأسي .. كل سكان العلية يحدثونني بلا توقف .. كل منهم يسأل وكل منهم يدعي أنه يعرف تارة وأنه يجهل تارة. ضوضاء شديدة مهما حاولت إطفاء كل الأصوات من حولي يظل هذا الضجيج في رأسي يأبى التوقف.
سئمت ضجيجه وسئمت انتظار هذا الضجيج أن بهدأ.
سئمت.

التعليقات سرية

اكتشاف المزيد من ليالي السمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading