انها السابعة وعشر دقائق الآن.
روتيني الصباحي يبدأ برياضة مفجعة تسمى : ارتدي ثيابك بسرعة !
في الحقيقة لا آخذ وقتًا طويلاً للاستعداد، أرتدي أول ما تقع عليه عيناي وبقية كل شيء روتيني.
أصل للجامعة باكرًا، بل باكرًا جدًا!
أصل قبل وصول موظفات الكافتيريا وعاملات النظافة أحيانًا،
في جامعتي أكثر من مكان للبيع ..
والصباح غريب دومًا !
كل الوجوه التي أقابلها في طريقي تنظر للأرض ..
لشاشة الجوال بملل أو تمشي ببطء ..
كلها تبدو .. كما لو أن وحشًا في أعماق الجامعة يمتص ألوانها!
كلها باهتة .. شاحبة .. رغم طبقات الزينة الثقيلة .. أم أنني افتقدت القدرة على رؤية الألوان؟
الوحش يدلي بلسانه من فوق بوابة الدخول ويلعق كل الألوان ..
لا أحد يدري ..
وحدي أعلم سر الوحش ولن أخبر أحدًا، ولن أنظر للمرآة طبعًا لن يعجبني مظهري بالأسود والأبيض !
السماء فقط زرقاء . هي الملونة الوحيدة .
أشتري علبة ماء ومناديل، لتبدأ طقوس مسح الطاولة ..
هنا الرياض ، لذلك تتسخ الطاولة وتعلوها طبقة غبار كل يوم .
هنا الوقت باكر جدًا ، لذلك أشغل نفسي بمسح الطاولة ريثما يسخن الماء لأعد قهوتي.
بجانبي مجموعة فتيات يثرثرن أحدهن لم تنفك تراقبني منذ بدأت بالتنظيف ..
أستخدم منديلاً جافًا أولا لمسح الغبار عن الطاولة والكراسي الست المرفقة .
ثم أستخدم الماء وأمسحها مجددًا ، ثم أستخدم المناديل المعقمة أخيرًا . الغبار يعلو كل شيء ، حتى الأشخاص، وهي مازالت تنظر . إما أنها تحسد صديقاتي أو أنها تظنني مهووسة بالنظافة .
لا هذا ولا ذاك .. الماء لم يسخن فحسب .
وهنا أول يوم دراسي بعد العطلة ، سبت جديد ، لذلك تأخرت الحجة ورفيقاتها عن افتتاح كشكهن ما حدا بي لأقطع طريقي لكافتيريا مبنى الأصول .
– رغم أنه لا أصول هناك –
ولا ألوان أيضًا !
يا لهذا السبت !
الشيء الوحيد الذي يتناسق مع انعدام الألوان هو القطتان الشريدتان في حرم الجامعة .
سوداء وبيضاء بالخليقة .
قطتان مزعجتان متسختان تموءان مواءً بغيضًا متصلاً مزعجًا للغاية !
أحدهما مستلقية على كرسي والأخرى تقف قريبًا من الكافتيريا ..
نظرت في عينيها فردت لي نظرة حادة حاقدة ..
بالتأكيد فأنا أرفع مقامًا في النهاية .
طلبت “القهوة الرخيصة” ..
قهوة الأظرف الرخيصة !
هي رخيصة الطعم والثمن وكل شيء ، لكني أحتاج الكافيين بشدة !
وهذه هي الكافتيريا الوحيدة التي سخن ماؤها بما يكفي ..
رغم أنها أول مرة أبتاع القهوة نفسها من هنا لكن الحجة بدت منشغلة ..
القط يموء .. بدأ صوته يزداد حدة وأرعب مجموعة فتيات بالفعل ..
يبكي كالطفل المتعب الناعس المنزعج .
كوب القهوة بخمسة .. سألتها مرة أخرى ؛ القهوة الرخيصة التي تباع عند بقية الأكشاك بريالين؟ .. نعم، نبيعها بخمسة .. ردت بلا اهتمام ..
ثلاثة ريالات لا تشكل فارقًا كبيرًا لكن ليس وقد درست محاسبة التكاليف .
فكرت ؛ هذا جنون .
الفرق أنهم يعطونك غطاءً بلاستيكيًا لكوبك .
اشتريت غطاءً متسخًا بثلاثة ريالات . مرحى !
تذكرت الكلام الكثير عن المستهلك وأسباب رضاه بالسعر المرتفع في مادة التسويق .
أنا ذلك المستهلك الكسول .
غسلته بالماء الساخن .. ثم لم يرقني كثيرًا فأنا أمقت هذه الأغطية في النهاية، هي تخدعك أولاً فلا تدري متى تصل القهوة لفمك، ثم إنها بيضاء ما سيجعل أثر أحمر الشفاه أشد وضوحًا وأنا أكره ذلك أيضًا . فرميت الثلاث ريالات في القمامة .
أعددت القهوة الرخيصة وأنا أتذكر كوبي حافظ الحرارة الأنيق الفقيد .. حين كنت أحضر قهوتي بالحليب بنفسي من المنزل بطريقتي وبالمذاق الذي أفضل . سأجد حلاً لاحقًا .
يموء القط مرة أخرى ..
هممت بالعودة لطاولتي (النظيفة) حين رأيت فتاة تقترب بخوف من القط ..
ظننتها ستصوره كبقية فتيات “الرياظ” كانون؟ نيكون؟ لا أدري .. يكتبونها في نبذهم الشخصية في تويتر .. ثم ستضع صورة القط البئيس في تغريدة صباحية مع عبارة عاطفية ..
سلكت طريقي فيما الفتاة تعود أدراجها ولحظت سكوت القط .
لم تكن تصوره، بل اقتربت لتترك كأسًا ورقيًا مملوءًا بالحليب .. بحثت عنها مرة أخرى ..
كانت ملونة .
كانت الشيء الملون الوحيد وسط درجات الرمادي وبين الأرواح الباهتة حولها .

التعليقات سرية